لم نكن يومًا نعيش في عالم أسرع من هذا. كل شيء يركض أمامنا كأن الزمن نفسه فقد صبره، وقرر أن يترك الإنسان خلفه يلهث في محاولة يائسة للحاق بما لا يُلحق. نستيقظ على إشعارات لا تنتهي، وننام على قلق لا يهدأ، ونعبر أيامنا كأننا نطارد شيئًا لا نراه بوضوح. يا صديقي، الحداثة وعدتنا بالراحة، لكنها كثيرًا ما منحتنا تعبًا أكثر أناقة، ووعدتنا بحياة أسهل، فإذا بنا نعيش حياة أكثر ازدحامًا وأقل معنى. لقد صار الإنسان المعاصر يشبه راكب قطار سريع لا يعرف إلى أين يمضي، لكنه يخشى النزول أكثر مما يخشى الرحلة نفسها.
لسنا مضطرين إلى إنكار ما صنعه هذا العصر من إنجازات هائلة؛ فقد جعل العالم أقرب، وفتح أبوابًا لم تكن تُفتح من قبل، وقرّب المسافات بين البشر كما لم يحدث في أي زمن سابق. لكنه، في المقابل، صنع إنسانًا معلّقًا بين عالمين: عالم قديم ما زال حيًّا في داخله، يحمل دفء البيوت الأولى وبساطة الأيام الهادئة، وعالم رقمي يجرّه كل صباح إلى نسخة جديدة من الحياة لا تكف عن التبدل. هذا التمزق، عزيزي، ليس فكرة فلسفية بعيدة، بل شعور يومي يعيشه كل من انتقل بين هاتفه، وعمله، وقلقه، وخوفه من التأخر في اليوم نفسه.
حتى العلاقات التي كانت ملاذًا آمنًا تغيّر شكلها. صار القرب مسافة ضوئية، والحوار رسائل مقتضبة، والمشاعر رموزًا صغيرة على شاشة باردة. نجلس كثيرًا مع الناس، لكننا نغيب عنهم، ونتحدث طويلًا دون أن نقول شيئًا حقيقيًا. وهنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زلنا نعيش كما يريد القلب، أم كما يفرض الإيقاع؟ وهل اخترنا هذا النمط من الحياة فعلًا، أم تسلل إلينا حتى صار قدرًا يوميًا لا نراجعه، يا صديقي القارئ؟
وكلما حاول الإنسان أن يجد لنفسه موضع قدم، وجد نفسه غارقًا في بحر لا نهائي من الخيارات. كل شيء متاح، وهذا بالضبط ما جعل كل شيء مرهقًا. وفرة الإمكانيات لم تمنحنا حرية كاملة، بل حمّلتنا عبئًا جديدًا: عبء الاختيار المستمر في عالم لا يسامح الخطأ. النجاح صار معيارًا صارمًا، والإنجاز اللغة الوحيدة المقبولة، ومن يتباطأ يشعر كأنه خارج السباق. يهرب البعض إلى العمل المفرط، ويختبئ آخرون خلف الشاشات، لكن الضياع يظل يتسلل مهما تغيّرت الأقنعة. الإنسان الحديث يشبه ناطحة سحاب شاهقة، لامعة، مبهرة... لكنها بلا جذور، يا عزيزي.
ولعل أخطر ما صنعته الحداثة هو الفراغ الداخلي الذي يختبئ خلف سطوة الانشغال. أصبحنا نملأ أيامنا بالمهام حتى لا نسمع الأسئلة الثقيلة التي نؤجلها دائمًا: ماذا نريد حقًا؟ ماذا خسرنا ونحن نركض؟ لماذا يبدو كل شيء مكتملًا من الخارج، وناقصًا من الداخل؟ هنا، يا صديقي، تصبح الفلسفة وسيلة نجاة لا ترفًا ثقافيًا. هي لحظة نتوقف فيها وسط الزحام لنسأل: هل هذا الطريق طريقي فعلًا؟ أم أنني أمشي فقط لأن الجميع يمشون؟ أحيانًا سؤال صغير يهز عمرًا كاملًا، لأن السؤال الصادق يفتح بابًا ظل مغلقًا سنوات.
ومع أن هذا العصر يعلّمنا كيف نُتقن المهارات، إلا أنه نادرًا ما يعلّمنا كيف نُتقن أنفسنا. في مصر وغيرها من المجتمعات التي تقف بين إرث ثقيل ومستقبل سريع، يعيش الإنسان على حافة زمنين: يحمل ذاكرة بيت دافئ في حارة قديمة، ويقضي يومه في عالم يسحق البطء سحقًا. هذا التناقض يولّد ضياعًا من نوع خاص؛ ضياع لا يبحث عن سرعة، بل عن معنى. فالقلب، يا عزيزي، يحتاج أكثر من إنجاز، يحتاج دفئًا، يحتاج وقتًا، يحتاج أن يشعر أن حياته ليست مجرد قائمة مهام طويلة.
وربما أخطر ما تفعله الحداثة بنا أنها لا تسرق وقتنا فقط... بل تسرق انتباهنا حتى ننسى من نكون. فإذا كان العالم قد نجح في خطف أعيننا، فالسؤال القادم أشد قسوة: ماذا حدث لقلوبنا ونحن نحدّق في الشاشات كل هذا الوقت؟ ذلك ما نقترب منه الأسبوع المقبل... في رؤى فلسفية.
*****************************
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]